فصل: تفسير الآيات رقم (56 - 57)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏.‏

يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه أنواع ‏[‏المخلوقات‏]‏‏.‏ على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، من ماء واحد، ‏{‏فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ‏}‏ كالحية وما شاكلها، ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ‏}‏ كالإنسان والطير، ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ‏}‏ كالأنعام وسائر الحيوانات؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ بقدرته؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏‏.‏

يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال البينة المحكمة، كثيرًا جدًا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47 - 52‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏

يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولا بألسنتهم‏:‏ ‏{‏آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏ أي‏:‏ إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه‏.‏ وهذه كقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 60، 61‏]‏‏.‏

وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سَمُرَة مرفوعًا‏:‏ ‏"‏من دُعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ‏}‏، أي‏:‏ وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله‏:‏ ‏{‏مُذْعِنِينَ‏}‏ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ثَمّ‏.‏ فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه؛ ولهذا لما خالف الحقّ قصده، عدل عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ‏}‏ يعني‏:‏ لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مَرَض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم‏.‏ وأيّا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال‏:‏ كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُحِقّ أذعن، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق‏.‏ وإذا أراد أن يظلم فدُعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض، وقال‏:‏ أنطلقُ إلى فلان‏.‏ فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من كان بينه وبين أخيه شيء، فدُعِي إلى حَكَم من حُكَّام المسلمين فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له‏"‏‏.‏ وهذا حديث غريب، وهو مرسل‏.‏

ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ أي‏:‏ سمعًا وطاعة؛ ولهذا وصفهم تعالى بفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

وقال قتادة في هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ ذُكر لنا أن عُبَادة بن الصامت -وكان عَقَبيَّا بدريا، أحد نقباء الأنصار -أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية‏:‏ ألا أنبئك بماذا عليك وَمَاذا لك‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإن عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومَنْشَطك ومكرهك، وأثرةً عليك‏.‏ وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وألا تنازع الأمرَ أهله، إلا أن يأمروك بمعصية الله بَوَاحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله‏.‏

وقال قتادة‏:‏ وَذُكر لنا أن أبا الدرداء قال‏:‏ لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله، وللخليفة وللمؤمنين عامة‏.‏

قال‏:‏ وقد ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يقول‏:‏ عُروة الإسلام شهادةُ أن لا إله إلا الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين‏.‏

رواه ابن أبي حاتم، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله ‏[‏وسنة رسوله، وللخلفاء الراشدين، والأئمة إذا أمروا بطاعة الله‏]‏ كثيرة جدًا، أكثر من أن تحصر في هذا المكان‏.‏

وقوله ‏{‏وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ أي‏:‏ فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه، ‏{‏وَيَخْشَ اللَّهَ‏}‏ فيما مضى من ذنوبه، ‏{‏وَيَتَقِهِ‏}‏ فيما يستقبل‏.‏

وقوله ‏{‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ يعني‏:‏ الذين فازوا بكل خير، وأمنُوا من كل شر في الدنيا والآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53 - 54‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ‏}‏

يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق، الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم لئن أمرهم بالخروج ‏[‏في الغزو‏]‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لا تُقْسِمُوا‏}‏ أي‏:‏ لا تحلفوا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ‏}‏ قيل‏:‏ معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي‏:‏ قد عُلمت طاعتكم، إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 96‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 2‏]‏، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11، 12‏]‏

وقيل‏:‏ المعنى في قوله‏:‏ ‏{‏طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ‏}‏ أي‏:‏ ليكن أمركم طاعة معروفة، أي‏:‏ بالمعروف من غير حَلف ولا إقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم‏.‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة -والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق -فالخالق، تعالى، يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ‏}‏ أي‏:‏ اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَوَلَّوْا‏}‏ أي‏:‏ تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به، ‏{‏فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ‏}‏ أي‏:‏ إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، ‏{‏وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ من ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه، ‏{‏وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا‏}‏، وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ‏{‏صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 53‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 40‏]‏، وقوله ‏{‏فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 21، 22‏]‏‏.‏

وقال وهب بن مُنَبِّه‏:‏ أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له‏:‏ شعياء -أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي‏.‏ فقام فقال‏:‏ يا سماء اسمعي، ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنًا ويدبر أمرًا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار في الصحاري، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميا من الأميين، ليس بفظ ولا غليظ ولا سَخّاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه‏.‏ أبعثه مُبَشِّرا ونذيرًا، لا يقول

الخنَا، أفتح به أعينا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبا غُلْفًا، وأسَدِّده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهْدِي به بعد الضلالة، وأعلِّم به من الجهالة، وأرْفَعُ به بعد الخمَالة، وأعرف به بعد النُّكْرَة، وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العَيلَة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيما من الهَلَكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين بما جاءت به رُسُلي‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏55‏]‏

‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏

هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي‏:‏ أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك‏.‏ وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها‏.‏ وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس -وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرمه‏.‏

ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فَلَمّ شَعَث ما وَهَى عند موته، عليه الصلاة والسلام وأطَّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد، رضي الله عنه، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها‏.‏ وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة، رضي الله عنه، ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص، رضي الله عنه، إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حَوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة‏.‏ ومَنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن استخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يَدُر الفلك بعد الأنبياء ‏[‏عليهم السلام‏]‏ على مثله، في قوة سيرته وكمال عدله‏.‏ وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة‏.‏

ثم لما كانت الدولة العثمانية، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك‏:‏ الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية‏.‏ وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه‏.‏ وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها‏"‏ فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا‏.‏

قال الإمام مسلم بن الحجاج‏:‏ حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال‏:‏ سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا‏"‏‏.‏ ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عني فسألت أبي‏:‏ ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏كلهم من قريش‏"‏‏.‏ ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به

وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر

وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثيرًا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، يَلُون فيعدلون‏.‏ وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكون متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم‏.‏ ثم كانت بعدهم فترة، ثم وُجِد منهم ما شاء الله، ثم قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقت يعلمه الله‏.‏ ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورًا وظلما‏.‏

وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا عَضُوضا‏"‏‏.‏

وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا‏}‏ الآية، قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرًا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعدُ بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يُمْسُون في السلاح ويصبحون في السلاح، فَغَيَّرُوا بذلك ما شاء الله‏.‏ ثم إن رجلا من أصحابه قال‏:‏ يا رسول الله، أبدَ الدهر نحن خائفون هكذا‏؟‏ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا ‏[‏فيه‏]‏ السلاح‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لن تَغْبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة‏"‏‏.‏ وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح‏.‏ ثم إن الله، عز وجل، قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، فأدخل ‏[‏الله‏]‏ عليهم الخوف فاتخذوا الحَجَزَةَ والشرط وغَيّروا، فَغُيَّر بهم‏.‏

وقال بعض السلف‏:‏ خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، حق في كتابه، ثم تلا هذه الآية‏.‏

وقال البراء بن عازب‏:‏ نزلت هذه الآية، ونحن في خوف شديد‏.‏

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 26‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ كما قال تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه قال لقومه‏:‏ ‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 129‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 5، 6‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا‏}‏، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم، حين وفد عليه‏:‏ ‏"‏أتعرف الحيرة‏؟‏‏"‏ قال ‏:‏ لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فوالذي نفسي بيده، ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحِيرَة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز‏"‏‏.‏ قلت‏:‏ كسرى بن هرمز‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم، كسرى بن هرمز، وليُبذَلَنّ المالُ حتى لا يقبله أحد‏"‏‏.‏ قال عدي بن حاتم‏:‏ فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بشر هذه الأمة بالسَّناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يعبدونني لا يشركون بي شيئا‏}‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال‏:‏ بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرَّحْل، قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ‏"‏، قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله وسَعْديك‏.‏ قال‏:‏ ثم سار ساعة، ثم قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ بن جبل ‏"‏، قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك‏.‏ ‏[‏ثم سار ساعة، ثم قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ بن جبل‏"‏، قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك‏"‏‏]‏ ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏هل تدري ما حق الله على العباد‏"‏‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏‏[‏فإن‏]‏ حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ثم سار ساعة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏يا معاذ بن جبل‏"‏، قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله وسعديك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك‏"‏‏؟‏، قال‏:‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم‏"‏‏.‏ أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ أي‏:‏ فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فَسَقَ عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبًا عظيما‏.‏ فالصحابة، رضي الله عنهم، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم لله -كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدًا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد‏.‏ ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى اليوم القيامة‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏حتى يقاتلوا الدجال‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون‏"‏‏.‏ وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56 - 57‏]‏

‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏‏.‏

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي‏:‏ الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين للرسول، صلوات الله وسلامه عليه، أي‏:‏ سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك‏.‏ ولا شك أن من فعل ذلك أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 71‏]‏‏.‏

وقوله ‏{‏لا تَحْسَبَنَّ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏لا تظن‏]‏ يا محمد ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ أي‏:‏ خالفوك وكذبوك، ‏{‏مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ لا يعجزون الله، بل الله قادر عليهم، وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَأْوَاهُمُ‏}‏ أي‏:‏ في الدار الآخرة ‏{‏النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏ أي‏:‏ بئس المآل مآلُ الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58 - 60‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض‏.‏ وما تقدَّم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض‏.‏ فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنَهم خَدَمُهم مما ملكَت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال‏:‏ الأول من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم ‏{‏وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ‏}‏ أي‏:‏ في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله، ‏{‏وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ‏}‏ لأنه وقت النوم، فيُؤمَرُ الخدمُ والأطفال ألا يهجمُوا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى من أن يكون الرجل

على أهله، ونحو ذلك من الأعمال؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم ‏{‏طَوَّافُونَ‏}‏ عليكم، أي‏:‏ في الخدمة وغير ذلك، ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم؛ ولهذا رَوَى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهِرَّة‏:‏ ‏"‏إنها ليست بنجَس؛ إنها من الطوافين عليكم -أو -والطوافات‏"‏‏.‏

ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلا جدًا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس، كما قال ابن أبي حاتم‏:‏

حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدثني عبد الله بن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ‏[‏مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ‏]‏‏}‏ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 8‏]‏، والآية التي في الحجرات‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 13‏]‏

وروي أيضًا من حديث إسماعيل بن مسلم -وهو ضعيف -عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس قال‏:‏ غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة -وهذا حديثه -أخبرنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول‏:‏ لم يؤمن بها أكثر الناس -آية الإذن -وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي‏.‏

قال أبو داود‏:‏ وكذلك رواه عطاء، عن ابن عباس يأمر به‏.‏

وقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة سألت الشعبي‏:‏ ‏{‏لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ‏}‏، قال‏:‏ لم تنسخ‏.‏ قلت‏:‏ فإن الناس لا يعملون بها‏.‏ فقال‏:‏ الله المستعان‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عَمرو، عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس‏:‏ إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ خادمُه أو ولده أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمَّى الله‏.‏ ثم جاء الله بعد بالستور ، فبسط ‏[‏الله‏]‏ عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به‏.‏

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود، عن القَعْنَبِيّ، عن الدَّرَاوَرْدِيّ، عن عمرو بن أبي عَمْرو به‏.‏

وقال السُّدِّي‏:‏ كان أناس من الصحابة، رضي الله عنهم، يحبون أن يُوَاقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن‏.‏

وقال مقاتل بن حَيَّان‏:‏ بلغنا -والله أعلم -أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مُرْشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء‏:‏ يا رسول الله، ما أقبح هذا‏!‏ إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد، غلامهما بغير إذن‏!‏ فأنزل الله في ذلك‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ‏[‏ثَلاثَ مَرَّاتٍ‏]‏‏}‏ الآية‏.‏

ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ، قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث‏.‏

قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير‏:‏ إذا كان الغلام رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال‏.‏ وهكذا قال سعيد بن جبير‏.‏

وقال في قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ‏}‏ قال سعيد بن جُبَيْر، ومُقَاتل بن حَيَّان، وقتادة، والضحاك‏:‏ هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد، ‏{‏اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا‏}‏ أي‏:‏ لم يبق لهن تَشوُّف إلى التزويج، ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ‏}‏ أي‏:‏ ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء‏.‏

قال أبو داود‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ‏}‏ الآية ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏ فنسخ، واستثنى من ذلك ‏{‏وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا‏}‏ الآية

قال ابن مسعود ‏[‏في قوله‏]‏‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ‏}‏ قال‏:‏ الجلباب، أو

الرداء‏:‏ وكذا رُوي عن ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء وإبراهيم النَّخَعِيّ، والحسن، وقتادة، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم‏.‏

وقال أبو صالح‏:‏ تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار‏.‏

وقال سعيد بن جُبَيْر وغيره، في قراءة عبد الله بن مسعود‏:‏ ‏"‏أن يضعن من ثيابهن‏"‏ وهو الجلباب من فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره، بعد أن يكون عليها خمار صَفيق‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ‏}‏ يقول‏:‏ لا يتبرجن بوضع الجلباب، أن يرى ما عليها من الزينة‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن المبارك، ‏[‏حدثني سَوَّار بن ميمون، حدثتنا طلحة بنت عاصم، عن أم المصاعن، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت‏:‏ دخلت عليّ‏]‏ فقلت‏:‏ يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب، والنفاض، والصباغ، والقُرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، وثياب الرقاق‏؟‏ فقالت‏:‏ يا معشر النساء، قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات‏.‏ أي‏:‏ لا يحلّ لكنّ أن يَرَوْا منكن محرما‏.‏

وقال السدي‏:‏ كان شريك لي يقال له‏:‏ ‏"‏مسلم‏"‏، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يوما إلى السوق وأثر الحنّاء في يده، فسألته عن ذلك، فأخبرني أنه خَضَب رأس مولاته -وهي امرأة حذيفة -فأنكرت ذلك‏.‏ فقال‏:‏ إن شئت أدخلتك عليها‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم‏.‏ فأدخلني عليها، فإذا امرأة جليلة، فقلت‏:‏ إن مسلما حدثني أنه خضب رأسك‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم يا بني، إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، وقد قال الله في ذلك ما سمعت‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ وترك وضعهن لثيابهن -وإن كان جائزًا -خير وأفضل لهن، والله سميع عليم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏

اختلف المفسرون -رحمهم الله -في المعنى الذي رفع من أجله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض هاهنا، فقال عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ نزلت في الجهاد‏.‏

وجعلوا هذه الآية هاهنا كالتي في سورة الفتح وتلك في الجهاد لا محالة، أي‏:‏ أنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد؛ لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏91، 92‏]‏‏.‏

وقيل‏:‏ المراد ‏[‏هاهنا‏]‏ أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك‏.‏ ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسُه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك‏.‏ وهذا قول سعيد بن جبير، ومِقْسَم‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ كانوا قبل المبعث يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتَقَزُّزًا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا مَعْمَر، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ‏}‏ الآية قال‏:‏ كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته‏.‏ فكان الزَّمنى يتحرجون من ذلك، يقولون‏:‏ إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ‏.‏ فنزلت هذه الآية رخصةً لهم‏.‏

وقال السُّدّي‏:‏ كان الرجل يدخل بيت أبيه، أو أخيه أو ابنه، فتُتْحفه المرأة بالشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رَبَّ البيت ليس ثَمّ‏.‏ فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ‏}‏، إنما ذَكَر هذا -وهو معلوم -ليعطفَ عليه غيره في اللفظ، وليستأديه ما بعده في الحكم‏.‏ وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينص عليهم‏.‏ ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أنَّ مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏أنت ومالك لأبيك‏"‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ‏}‏، إلى قوله ‏{‏أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ‏}‏، هذا ظاهر‏.‏ وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب‏[‏الإمام‏]‏ أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، في المشهور عنهما‏.‏وأما قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ‏}‏ فقال سعيد بن جُبَير، والسُّدِّي‏:‏ هو خادم الرجل من عبد وقَهْرَمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف‏.‏

وقال الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت‏:‏ كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدفعون مفاتحهم إلى ضُمَنائهم، ويقولون‏:‏ قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه‏.‏ فكانوا يقولون‏:‏ إنه لا يحل لنا أن نأكل؛ إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ صَدِيقِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها، إذا علمتم أن ذلك لا يَشُقُّ عليهم ولا يكرهون ذلك‏.‏

وقال قتادة‏:‏ إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا‏}‏، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية‏:‏ وذلك لما أنزل الله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 29‏]‏ قال المسلمون‏:‏ إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد‏.‏ فكف الناسُ عن ذلك، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الأعْمَى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ صَدِيقِكُمْ‏}‏، وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا‏}‏‏.‏

وقال قتادة‏:‏ وكان هذا الحي من بني كنانة، يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجلُ لَيَسوقُ الذُّودَ الحُفَّل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا‏}‏‏.‏

فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأبرك، كما رواه الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وَحْشيّ بن حَرْب، عن أبيه، عن جده؛ أنّ رجلا قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا نأكلُ ولا نشبَع‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يُبَاركْ لكم فيه‏"‏‏.‏ ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث الوليد بن مسلم، به

وقد رَوَى ابن ماجه أيضًا، من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏كلوا جميعًا ولا تَفَرّقُوا؛ فإن البركة مع الجماعة‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ‏}‏ قال سعيد بن جبير، والحسن البصري،وقتادة، والزهري‏:‏ فليسلم بعضكم على بعض‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ حدثنا أبو الزبير‏:‏ سمعتُ جابر بن عبد الله يقول‏:‏ إذا دخلتَ على أهلك، فسَلِّمْ عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة‏.‏ قال‏:‏ ما رأيته إلا يوجبه‏.‏

قال ابن جريج‏:‏ وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول‏:‏ إذا دخلَ أحدكم بيته، فليسلم‏.‏

قال ابن جُرَيْج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلِّم عليهم‏؟‏ قال‏:‏ لا ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحبُّ إلي، وما أدعه إلا نابيًا

وقال مجاهد‏:‏ إذا دخلت المسجد فقل‏:‏ السلام على رسول الله‏.‏ وإذا دخلت على أهلك فسلِّمْ عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏

وروى الثوري، عن عبد الكريم الجَزَريّ، عن مجاهد‏:‏ إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل‏:‏ بسم الله، والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏[‏إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد، فقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏]‏ فإنه كان يؤمر بذلك، وحُدّثنا أن الملائكة ترد عليه‏.‏ وقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عَوْبَدُ بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال‏:‏ أوصاني النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس خصال، قال‏:‏ ‏"‏يا أنس، أسبغ الوضوء يُزَد في عمرك، وسَلّم على من لقيك من أمتي تكْثُر حسناتك، وإذا دخلت -يعني‏:‏ بيتك -فسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضُّحى فإنها صلاة الأوابين قبلك‏.‏ يا أنس، ارحم الصغير، ووقِّر الكبير، تَكُنْ من رفقائي يوم القيامة‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً‏}‏ قال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول‏:‏ ما أخذت التشهدَ إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول‏:‏ ‏{‏فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً‏}‏، فالتشهد في الصلاة‏:‏ التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏ ثم يدعو لنفسه ويسلم‏.‏ هكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن إسحاق‏.‏

والذي في صحيح مسلم، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف هذا، والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ لما ذكر تعالى ما في السورة الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة، نَبَّه تعالى على أنه يُبَيّن لعباده الآيات بيانًا شافيًا، ليتدبروها ويتعقلوها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏

وهذا أيضًا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف -لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك -أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته‏.‏ وإن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين‏.‏

ثم أمر رسوله -صلوات الله وسلامه عليه -إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له، إن شاء؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏

وقد قال أبو داود‏:‏ حدثنا أحمد بن حَنْبَل ومُسَدَّد، قالا حدثنا بشر -هو ابن المفضل -عن عَجْلان عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة‏"‏‏.‏

وهكذا رواه الترمذي والنسائي، من حديث محمد بن عجلان، به‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن‏.‏

قال الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظامًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه قال‏:‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله، يا نبي الله‏.‏ وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير‏.‏

وقال قتادة‏:‏ أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يسود‏.‏وقال مقاتل ‏[‏بن حَيَّان‏]‏ في قوله‏:‏ ‏{‏لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا‏}‏ يقول‏:‏ لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه‏:‏ يا محمد، ولا تقولوا‏:‏ يا بن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا‏:‏ يا نبي الله، يا رسول الله‏.‏

وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا‏}‏ قال‏:‏ أمرهم الله أن يشرِّفوه‏.‏

هذا قول‏.‏ وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 104‏]‏، وقال ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 2-5‏]‏

فهذا كله من باب الأدب ‏[‏في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته‏]‏

والقول الثاني في ذلك أن المعنى في‏:‏ ‏{‏لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا‏}‏ أي‏:‏ لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا‏.‏ حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا‏}‏ قال مقاتل بن حَيَّان‏:‏ هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث الخطبة -فيلوذون ببعض الصحابة -أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروجَ أشارَ بإصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي -صلى الله عليه وسلم -يخطب، بطلتْ جُمعته‏.‏

قال السُّدِّي كانوا إذا كانوا معه في جماعة، لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم‏.‏

وقال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا‏}‏، يعني‏:‏ لواذا ‏[‏عن نبي الله وعن كتابه‏.‏

وقال سفيان‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا‏}‏ قال‏:‏ من الصف‏.‏ وقال مجاهد في الآية‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا‏}‏‏]‏ قال‏:‏ خلافًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏}‏ أي‏:‏ عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبيله هو ومنهاجه وطريقته ‏[‏وسنته‏]‏ وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏من عمل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ‏"‏‏.‏ أي‏:‏ فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ‏{‏أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ‏}‏ أي‏:‏ في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، ‏{‏أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال‏:‏ هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها ‏.‏ جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي ‏[‏يقعن في النار‏]‏ يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحَّمن فيها‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزِكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها‏"‏‏.‏ أخرجاه من حديث عبد الرزاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏63 – 64‏]‏

‏{‏لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم غيب السموات والأرض، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏}‏ و‏"‏قد‏"‏ للتحقيق، كما قال قبلها‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 18‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 1‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 33‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ‏[‏فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏]‏‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏144‏]‏ فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بـ‏"‏قد‏"‏، كما يقول المؤذن تحقيقًا وثبوتًا‏:‏ ‏"‏قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة‏"‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 217-220‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 61‏]‏، ‏[‏هود‏:‏ 5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 6‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏‏.‏والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ ويوم تَرْجِعُ‏}‏ الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة -‏{‏فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا‏}‏ أي‏:‏ يخبرهم بما فعلوا في الدنيا، مِنْ جليل وحقير، وصغير وكبير، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 13‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏‏.‏ ولهذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام‏.‏

تفسير سورة الفرقان

وهي مكية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1 - 2‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏

يقول تعالى حامدا نفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ‏[‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا‏]‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 1 -3‏]‏ وقال هاهنا‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ‏}‏ وهو تفاعَلَ من البركة المستقرة الدائمة الثابتة ‏{‏الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ‏}‏ نزل‏:‏ فَعَّل، من التكرر، والتكثر، كما قال‏:‏ ‏{‏وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل مُنَجَّماً مُفَرَّقاً مُفَصَّلا آيات بعد آيات، وأحكاما بعد أحكام، وسوراً بعد سُوَر، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناءً بمن أنزل عليه كما قال في أثناء هذه السورة‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا‏.‏ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 32،33‏]‏‏.‏ ولهذا سماه هاهنا الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَلَى عَبْدِهِ‏}‏‏:‏ هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 19‏]‏، وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏ أي‏:‏ إنما خصَّه بهذا الكتاب العظيم المبين المفصل المحكم الذي‏:‏ ‏{‏لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 42‏]‏، الذي جعله فرقانا عظيما -إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال -صلوات الله وسلامه عليه -‏"‏بعثت إلى الأحمر والأسود‏"‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏"‏أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي‏"‏، فذكر منهن‏:‏ أنه ‏"‏كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة‏"‏، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ‏[‏لا إِلَهَ إِلا هُوَ‏]‏ يُحْيِي وَيُمِيتُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 158‏]‏ أي‏:‏ الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ‏}‏، فَنزه نفسه عن الولد، وعن الشريك‏.‏

ثم أخبر أنه‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا‏}‏ أي‏:‏ كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره ‏[‏وتسخيره‏]‏ ، وتدبيره وتقديره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا‏}‏

يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‏.‏ ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لعابديهم‏؟‏ ‏{‏وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله عز وجل، الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم، ‏{‏مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 28‏]‏، ‏{‏وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 50‏]‏، ‏{‏فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 13،14‏]‏، ‏{‏فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 19‏]‏، ‏{‏إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 53‏]‏‏.‏ فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‏.‏ وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4 - 6‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏

يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن‏:‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ كذب، ‏{‏افْتَرَاهُ‏}‏ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، ‏{‏وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ واستعان على جمعه بقوم آخرين‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا‏}‏ أي‏:‏ فقد افتروا هم قولا باطلا هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون‏.‏

‏{‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا‏}‏ يعنون‏:‏ كتب الأوائل استنسخها، ‏{‏فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ تقرأ عليه ‏{‏بُكْرَةً وَأَصِيلا‏}‏ أي‏:‏ في أول النهار وآخره‏.‏

وهذا الكلام -لسخافته وكذبه وبهْته منهم -كُلّ أحد يعلم بطلانه، فإنه قد عُلم بالتواتر وبالضرورة‏:‏ أن محمداً رسول الله لم يكن يعاني شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه، وبره وأمانته ونزاهته من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بُعِث إلا الأمين، لما يعلمون من صدقه وبره‏.‏ فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، وَرَموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون‏:‏ ساحر، وتارة يقولون‏:‏ شاعر، وتارة يقولون‏:‏ مجنون، وتارة يقولون‏:‏ كذاب، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا‏:‏ ‏{‏قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخباراً حقاً صدقاً مطابقاً للواقع في الخارج، ماضيا ومستقبلا ‏{‏أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ‏}‏ أي‏:‏ الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏‏:‏ دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه‏.‏ فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 73 -74‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 10‏]‏‏.‏ قال الحسن البصري‏:‏ انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة ‏[‏سبحانه وتعالى‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7 - 14‏]‏

‏{‏وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا‏}‏

يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ‏}‏، يعنون‏:‏ كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، ‏{‏وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ‏}‏ أي‏:‏ يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة، ‏{‏لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا‏}‏ يقولون ‏:‏ هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صِدْق ما يدَّعيه‏!‏ وهذا كما قال فرعون‏:‏ ‏{‏فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 53‏]‏‏.‏ وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز‏}‏ أي‏:‏ علم كنز ‏[‏يكون‏]‏ ينفق منه، ‏{‏أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ تسير معه حيث سار‏.‏ وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة ‏{‏وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا‏}‏‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ‏}‏ أي‏:‏ جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم ‏"‏ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر‏"‏ وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فضلوا‏}‏ أي‏:‏ عن طريق الهدى، ‏{‏فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا‏}‏ وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يُصَدّق بعضه بعضا‏.‏

ثم قال تعالى مخبراً نبيه أنه لو شاء لآتاه خيراً مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا‏}‏‏.‏

قال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ في الدنيا، قال‏:‏ وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا‏.‏

وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خَيْثَمَة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يُعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله‏؟‏ فقال‏:‏ اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ‏}‏ أي‏:‏ إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيباً وعناداً، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال، ‏{‏وأعتدنا‏}‏ أي‏:‏ وأرصدنا ‏{‏لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا‏}‏ أي‏:‏ عذابا أليماً حاراً لا يطاق في نار جهنم‏.‏

وقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن سعيد بن جبير‏:‏ ‏"‏السَّعِير‏"‏‏:‏ واد من قيح جهنم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا رَأَتْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ جهنم ‏{‏مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ يعني‏:‏ في مقام المحشر‏.‏ قال السدي‏:‏ من مسيرة مائة عام ‏{‏سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا‏}‏ أي‏:‏ حنقا عليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 7،8‏]‏ أي‏:‏ يكاد ينفصل بعضها من بعض؛ من شدة غيظها على من كفر بالله‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا إدريس بن حاتم بن الأخيف الواسطي‏:‏ أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيْك، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من يقل عَلَيَّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ ‏[‏مقعده من النار‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏فليتبوأ‏]‏ بين عيني جهنم مقعدا‏"‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، وهل لها من عينين‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أما سمعتم الله يقول‏:‏ ‏{‏إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ‏}‏ الآية‏.‏

ورواه ابن جرير، عن محمد بن خِدَاش، عن محمد بن يزيد الواسطي، به‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل قال‏:‏ خرجنا مع عبد الله -يعني‏:‏ ابن مسعود -ومعنا الربيع بن خُثَيْم فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خثيم إليها فتمايل ليسقط، فمر عبد الله على أتّون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا‏}‏ فصعق -يعني‏:‏ الربيع بن خُثَيْم -فحملوه إلى أهل بيته ورابطه عبد الله إلى الظُّهر فلم يفق، رضي الله عنه‏.‏

وحدثنا أبي‏:‏ حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ إن العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف‏.‏

هكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرا، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير‏:‏

حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عُبَيْد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن‏:‏ ما لك‏؟‏ قالت‏:‏ إنه يستجير مني‏.‏ فيقول‏:‏ أرسلوا عبدي‏.‏ وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فيقول‏:‏ يا رب، ما كان هذا الظن بك‏؟‏ فيقول‏:‏ فما كان ظنك‏؟‏ فيقول‏:‏ أن تَسَعني رحمتك‏.‏ فيقول‏:‏ أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف‏.‏ وهذا إسناد صحيح‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا مَعْمَر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبَيد بن عُمَيْر في قوله‏:‏ ‏{‏سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا‏}‏ قال‏:‏ إن جهنم تزفر زفرة، لا يبقى ملك ولا نبي إلا خَرّ تَرْعَد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام، ليجثو على ركبتيه ويقول‏:‏ رب، لا أسألك اليوم إلا نفسي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا‏}‏ قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ مثل الزج في الرمح أي‏:‏ من ضيقه‏.‏

وقال عبد الله بن وهب‏:‏ أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أسيد -يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أنه سئل عن قول الله ‏{‏وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏والذي نفسي بيده، إنهم ليُسْتَكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط‏"‏‏.‏

وقوله ‏{‏مُقَرَّنِينَ‏}‏ قال أبو صالح‏:‏ يعني مكتفين‏:‏ ‏{‏دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا‏}‏ أي‏:‏ بالويل والحسرة والخيبة‏.‏ ‏{‏لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا‏}‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أول من يُكسَى حُلَّةً من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها منْ خَلْفه، وذريته من بعده، وهو ينادي‏:‏ يا ثبوراه، وينادون‏:‏ يا ثبورهم‏.‏ حتى يقفوا على النار، فيقول‏:‏ يا ثبوراه‏.‏ ويقولون‏:‏ يا ثبورهم‏.‏ فيقال لهم‏:‏ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، وادعوا ثبورا كثيرا‏"‏‏.‏

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سِنَان، عن عفان، به‏:‏ ورواه ابن جرير، من حديث حماد بن سلمة به‏.‏

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ لا تدعوا اليوم ويلا واحداً، وادعوا ويلا كثيرا‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ الثبور‏:‏ الهلاك‏.‏

والأظهر‏:‏ أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 102‏]‏ أي‏:‏ هالكا‏.‏ وقال عبد الله بن الزبَعْرى‏:‏

إذْ أجَاري الشَّيطانَ في سَنَن الغيَ *** يِ،وَمنْ مَالَ مَيْلَه